Skip to main content

اللغة وحكاية الصندوق الأسود في ذاكرتي

 


سعاد نوفل - في مكانٍ ما من الذاكرة، ثمة صندوق أسود يسجل تفاصيل الرحلة التي تصنعنا.

وفي مكانٍ آخر، تتخفى اللغة كمرآة صامتة، تعكس نصف الحقيقة وتخفي نصفها الآخر.

بين حروف تُكتب ولا تُنطق، ومعانٍ تتردد بين الصوت والصمت، بدأت رحلتي لاكتشاف الوعي، رحلة حملتني إلى أعماق الكلمات وإلى أسرار الصندوق الأسود الذي ظل مغلقًا طويلاً في رأسي حتى قررت ذات يوم أن أكتب كتاب.
هذه الحكاية ليست عن الكلمات فقط، بل عن المساحات البيضاء التي تهمس بما لا يُقال، وعن المعرفة التي تنمو بصمت خلف الظلال.

 

في تلك اللحظة التي كنت أتأمل فيها كلمة معرفة باللغة الإنجليزية  "Knowledge"، توقفت عند الحرف الأول،  "K" الصامت الذي يُكتب ولا يُنطق. بدت لي وكأنها رسالة خفية من اللغة نفسها، تهمس بأن ليس كل ما يُعرف يُقال، وكأن اللغة قد قررت أن تمنحنا تلميحًا: أن وراء كل كلمة عالمًا من الصمت، ومساحات لا تصلها الأصوات.

 

وفي الحقيقة فإن ذلك يعود لإمتلاك اللغة بنفسها جزءاً من الـ Infinity  أي بعداً لا نهائياً، كما صرح نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، أحد أهم علماء اللسانيات في العصر الحديث، قال في مقابلاته إن اللغة تحمل بُعدًا في اللانهاية. ويقصد تشومسكي أن الإنسان قادر باستخدام عدد محدود جدًا من الكلمات والقواعد اللغوية، على تكوين عدد لا نهائي من الجمل، بعضها قد يكون جديدًا لم يُسمع به من قبل، ومع ذلك يمكن فهمه.

هذا لأن اللغة ليست مجرد تكرار لعبارات جاهزة، بل نظام يسمح بالإبداع وإنتاج أفكار لا حصر لها، وهو شيء يُميّز العقل البشري. لهذا تشومسكي اعتبر اللغة "نظامًا توليديًا" (Generative System)، قادرًا على إنتاج عدد غير محدود من المعاني من موارد محدودة.

 وفي كتابي استخدمت كلمة Knowrology يُشتق مصطلح نورولوجي من دمج كلمة  Know المعرفة مع  Neuro ترمز إلى علم الأعصاب واللاحقة ology التي تعني مجال دراسة أو تخصص، يشير إلى تكامل المعرفة التراكمية باستخدام أدوات العقل والشبكات المعلوماتية مما ينسجم مع مفهوم المعرفة التراكمية في عصر المعلومات. تركز نورولوجي  (Knowrology) على تراكم المعرفة وتطبيقها العملي في السياقات التكنولوجية، ويتعمق في دمج تدفقات المعرفة التاريخية والحديثة ضمن نظام معرفي متكامليجسد هذا المصطلح دراسة وفهم المعرفة التراكمية في هذا العصر الديناميكي.

ومع هذا كانت الفكرة تكبر في داخلي بإن ذلك ينعكس على المفاهيم، كما كان يرافقني سؤال المعرفة الذي طالما كان من الأكثر الأسئلة تشويقاُ بيني وبين أصدقائي، أو كمدونين، نشطاء أو حتى مع أشخاص قد نلتقي بهم للمرة الأولى  ونحن على سفر. إذا كانت اللغة، وهي الأداة التي نشكّل بها وعينا، تخفي أجزاءً عن عمد، علماً أن هذه الظاهرة ترجع إلى تطوّر اللغة الإنجليزية عبر العصور، فكلمة Knowledge  أصلها من كلمة إنجليزية قديمة هي cnāwleċe، حيث كان حرف الـ "k" يُنطقمع تطور النطق، أصبح الصوت ساكنًا في بداية الكلمة ولم يعد يُلفظ، لكن الكلمة احتفظت بكتابتها القديمة لأسباب تاريخية وتعليمية.

لكن كيف تنعكس هذه الحقيقة على فهمنا للعالم، للمفاهيم، وللمعرفة ذاتها؟

أليست المعرفة تراكمية وقابلة للتوسع ولا نهائية كذلك!

 

وهكذا بدأت أؤمن  أن كل مفهوم نحمله هو انعكاس جزئي، مشوه أو ناقص، لما هو عليه حقًا، وأن الحقيقة دائمًا أكبر من اللغة التي تصفها. أن هناك دومًا "نصف وجه" لا نراه.

ومن هنا، وبعد انتهائي من كتابة كتاب نورولوجي: المعرفةالتراكمية في عصر المعلومات، ولدت فكرة تصميم غلاف الكتاب فيما بعد.

فتاة تظهر بنصف وجه، النصف الظاهر يمثل ما نعرفه ونعيشه، نملكه، ونحياه به، أما النصف الغائب فهو كل ما لا نعرفه بعد، كل احتمالات الإدراك التي لم نصلها، تمامًا مثل الحروف الصامتة... مثل اللانهاية التي نلمحها ولا نستطيع احتواءها. كل ما تفلت منه الكلمات، كل ما هو أعمق من الوعي المباشر.

 

من رأس الفتاة تظهر رموز التكنولوجيا والمعلومات، تحاكي فكرة أن المعرفة اليوم لم تعد خطية، بل متوالدة، متراكمة، متدفقة. وفي الخلفية، تتلاشى الملامح وسط حركة المارة ، مشهد ضبابي يرمز إلى سرعة الزمن، إلى تغيّر الإدراك وسط فيض لا نهائي من البيانات. الغلاف كله هو انعكاس لرحلة الإنسان في عصر المعرفة المتراكمة: رحلة تبدأ بلغة، بل كلمة، لكنها لا تنتهي عند حدود الحروف. رحلة نحاول فيها أن نلمس الجوهر، أن نرى المفقود خلف المرئي، أن ندرك أن هناك دائمًا نصًا آخر خلف النص.

 

في نورولوجي، لا أقدم أجوبة جاهزة. بل أفتح نوافذ للدهشة، وأسأل:

ماذا لو كانت اللغة نفسها لا تريد أن تخبرنا بكل شيء؟ وماذا لو كانت الحقيقة، مثل نصف الوجه، تنتظر منا أن نكملها بأنفسنا؟

 

 

.. وكان يتحتم عليّ العثور على الصندوق الأسود في ذاكرتي.. *

 

في رحلتي لاستعادة تفاصيل الوعي الأولى، أدركت أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل منظومة رمزية دقيقة تَشكّل وعينا ذاته.


كل كلمة ليست إلا شيفرة محمّلة بالمعاني، وحين تتشكل لدينا مفاهيم الأشياء، فإنها ترتبط ارتباطًا عضويًا بتلك الشيفرات اللفظية. ولأن الوعي الإنساني لا ينفصل عن اللغة، كان عليّ أن أبدأ من فكّ رموز تلك الكلمات الأولى التي علِقت في ذاكرتي، والتي كانت بمثابة المفاتيح الأولى لتجربة الإدراك.

لم تكن هذه الكلمات مجرد أدوات؛ كانت هي الجسور التي عبرت بها المفاهيم إلى ذهني، فانعكست اللغة على رؤيتي للعالم، وعلى الطريقة التي فهمت بها ذاتي والأشياء من حولي.


ومن هنا، لم تكن محاولة استرجاع الوعي والكتابة مجرّد حنين إلى الذاكرة، بل كانت مهمة تشبه البحث عن "الصندوق الأسود" في رأسي؛ ذلك الصندوق الذي يحمل بين طياته أسرار الرحلة، تمامًا كما يحمل الصندوق الأسود في الطائرات تفاصيل الرحلة قبل التحطم.

استعرت هذه الصورة للدلالة على أن ذاكرتنا تعمل كنظام مغلق للتحكم ، وهو جوهر فلسفة السيبرنطيقا *(Cybernetics)، العلم الذي يدرس كيفية تنظيم الأنظمة المغلقة وتوجيهها عبر آليات التغذية الراجعة (Feedback).
في السيبرنطيقا، كما في ذاكرتنا، تتراكم المعلومات والخبرات في دائرة مغلقة، لا تنكشف إلا حين نجرؤ على التنقيب في الأعماق.

 

وهكذا، كانت اللغة هي الخيط الأول الذي قادني نحو ذلك الصندوق الغامض، نحو تفكيك المفاهيم الأولية التي استقرت في أعماقي. ومن خلال اللغة، كنت أفتح في كل مرة بابًا جديدًا لفهم أعمق للوعي، وأستعيد شعاعًا آخر من تفاصيل الرحلة الداخلية. لا أخفي عليكم بأن السبب الذي دفعني لتأليف الكتاب هو توظيف الإستخدام الإستراتيجي للغة والمعرفة التي تحصلت عليها ومشاركتها مع الآخرين، كان ذلك قبل أن أجد نفسي متورطة في الكتابة عن سوسيولوجيا المعرفة.

 

كل رحلة نحو المعرفة الحقيقية تبدأ بسؤال صغير، ينبت في زوايا وعينا مثل ومضة خافتة.
في كتاب نورولوجي، لم أسعَ إلى تقديم أجوبة نهائية، بل سعيت أن أفتح مساحة للتساؤل، للتأمل، وللغوص في أعماق الذات.
لعلنا، حين نصغي إلى الكلمات الصامتة خلف اللغة، وحين نغامر بفتح الصندوق الأسود داخلنا، نكتشف أن المعرفة ليست وجهًا مكتملاً نحدق فيه، بل رحلة لا تنتهي نحو النصف الآخر من الحقيقة.

 

في عالمٍ تتزاحم فيه الكلمات، أدركت أن أعمق المعاني تسكن حيث يصمت الحرف ويتكلم الظل.
في رحلتي بين اللغة والذاكرة، لم أبحث عن إجابات نهائية، بل عن شرارات وعي تختبئ خلف كل كلمة، وخلف كل صمت.
وما زلت أؤمن أن داخل كل منا صندوقًا أسود، ينتظر من يجرؤ على فتحه، ليعيد صياغة قصته في كتاب جديد.

 --

 

* اقتباس للكاتبة ورد في كتاب نورولوجي: المعرفة التراكمية في عصر المعلومات. دار اليازوري العلمية للنشر، الأردن.

* السيبرناطيقا في داخلنا: بين الإنسان والآلة، أيلينا سابارينا، ترجمة صبحي أبو السعد، منشورات العلم للجميع، دار  الكاتب العربي للطباعة والنشر.

Comments

Popular posts from this blog

The Language and the Tale of the Black Box in My Memory

  Suad Nofal -  Somewhere in memory, there lies a black box recording the details of the journey that shapes us. Elsewhere, language hides like a silent mirror, reflecting half the truth and concealing the other half. Between letters that are written but not spoken, and meanings that oscillate between sound and silence, my journey to discover consciousness began—a journey that carried me into the depths of words and the secrets of the black box that had long remained locked in my mind. Until one day, I decided to write a book.   This tale is not just about words, but about the blank spaces that whisper what remains unspoken, and about the knowledge that grows silently behind the shadows. At that moment, as I contemplated the English word  "Knowledge,"  I paused at the first letter—the silent  "K"  that is written but not pronounced. It seemed to me like a hidden message from language itself, whispering that not everything known is spoken. As if...

Author: Suad Nofal

  Suad Nofal Author I  Communications Strategist   Born in 1978, She is a Jordanian journalist and writer of Palestinian origin, living in Amman. She studied English language and literature, has extensive experience in media and communications, a short story writer has written for the theatre and worked in the field of culture, community and Informal learning in the Arab world. Author of Knowrology, a knowledge sociological book  that explores  the concept of Cumulative Knowledge in the information age. -- Suad Nofal , seamlessly blends journalistic insight with literary depth, a fusion that becomes evident in her approach to complex topics such as cumulative knowledge , identity , and human consciousness in the information age , all explored through a style that is both narrative and analytical. She bridges journalism , literature , and  intellectual  analysis , positioning herself not as a traditional storyteller, but as a writer who uses ...