مقاربة سوسيولوجية في تشكّل الوعي ومواجهة تحديات العالم
المعاصر
سعاد نوفل - تنطلق سوسيولوجيا المعرفة من فرضية مركزية مفادها أن
المعرفة الإنسانية ليست نتاجًا ذهنيًا محايدًا، بل هي بناء اجتماعي يتشكّل داخل
سياقات تاريخية وثقافية واقتصادية محددة. ومن هذا المنظور، تغدو علوم الأديان،
وتاريخ الحضارات القديمة، وعلم الأسطورة
(Mythology)، حقولًا معرفية أساسية لفهم كيفية إنتاج
المعنى، وتشكّل الوعي الجمعي، واستمرار أنماط التفكير عبر الزمن.
تدويل المعرفة: الأديان والأساطير في الفضاء العام المعاصر
في الآونة
الأخيرة، شهدنا انتشارًا لافتًا للمنصّات المعرفية على وسائل التواصل الاجتماعي في مجال صناعة المحتوى، التي تقدم علوم الأديان
وتاريخ الحضارات والأساطير (الميثولوجيا) للجمهور العام بلغة مفهومة وجذّابة. هذه
العلوم ليست جديدة في ذاتها – فهي تمتدّ بجذورها إلى قرون من البحث الأكاديمي
المتخصص – إلا أنَّ الجديد هو طريقة تناولها ونقلها إلى الوعي الجمعي
المعاصر. فلم تعد حِكرًا على النخب
الأكاديمية، بل صارت مادّة حيّة تُطرح للنقاش والتأمّل في الفضاء الرقمي الواسع.
هذه الظاهرة تحمل أهمية بالغة، لأنها تفتح نافذة لفهم أعمق
لكيفية تشكّل الوعي الإنساني عبر العصور، وكيفية تفسير التحديات المعاصرة من منظور
تاريخي ورمزي. فمن خلال دراسة الأساطير وتطور الأديان وصراعات الحضارات، نستطيع
تفكيك الكثير من الظواهر الراهنة: من صعود الهويات المتصارعة إلى خطابات التعبئة
الجماهيرية، ومن أزمات الشرعية السياسية إلى صراعات التأويل الديني.
إذًا، ليست هذه العلوم مجرد استعادة للماضي، بل هي أدوات
تحليلية نقدية تسمح لنا بقراءة الواقع بتعقيداته، وفهم كيف تستمرّ
الأنماط القديمة من التفكير والتنظيم الاجتماعي في التأثير على حاضرنا، وكيف
يمكننا، من خلال الوعي بها، بناء تصوّرات أكثر انفتاحًا وتشاركيّة لمستقبل
المجتمعات الإنسانية.
فالدين والأسطورة لا يعبّران فقط عن معتقدات روحية، بل يشكّلان
منظومات رمزية تضبط علاقة الإنسان بالسلطة، وبالآخر، وبالكون، وتؤسس لنظم القيم
والمعايير الاجتماعية. وما تزال هذه المنظومات فاعلة، بأشكال مختلفة، في تفسير
الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي المعاصر.
المعرفة الدينية والأسطورية كبناء اجتماعي
في الإطار السوسيولوجي، يُنظر إلى الدين والأسطورة بوصفهما نتاجين
اجتماعيين نشآ استجابةً لحاجات الجماعة إلى تفسير الوجود، وتنظيم العلاقات
الاجتماعية، وضبط السلوك، وإضفاء الشرعية على أنماط السلطة.
فالأساطير الأولى عن الخلق، والطوفان، والبطل، والنهاية، لم تكن
سرديات خيالية، بل أدوات تفسيرية لفهم الفوضى الطبيعية والاجتماعية، وتحويلها إلى
نظام قابل للإدراك.
وتكمن أهمية دراسة هذه السرديات اليوم في قدرتها على كشف البُنى
العميقة للوعي الجمعي، حيث تستمر الرموز القديمة في إعادة إنتاج نفسها داخل
الخطاب الديني والسياسي، وفي تمثلات الهوية والصراع والانتماء.
إسهامات فكرية عربية من منظور سوسيولوجي
الدكتور خزعل الماجدي: الدين بوصفه ظاهرة حضارية
يقدّم د. خزعل الماجدي مقاربة تقترب كثيرًا من سوسيولوجيا
المعرفة، إذ يعالج الدين ضمن شروط نشأته الحضارية والبيئية. ينظر إلى الأديان
بوصفها نتاجًا لتطور المجتمعات الزراعية والمدينية، مرتبطًا بالبنية الاقتصادية
والسلطوية والرمزية لكل حضارة.
تكمن أهمية إسهامه في نقله النقاش الديني من حقل الإيمان المغلق
إلى حقل المعرفة التاريخية المقارنة، مما يسمح بفهم الدين كظاهرة اجتماعية
متحوّلة، لا كحقيقة ثابتة خارج الزمن.
فراس السواح: الأسطورة كنص اجتماعي مؤسِّس
يعالج فراس السواح الأسطورة بوصفها تعبيرًا عن البنية الذهنية للمجتمعات القديمة، ومرآة لعلاقتها بالطبيعة والسلطة والوجود. ومن منظور سوسيولوجي، تمثل أعماله مساهمة أساسية في فهم كيفية تشكّل المخيال الجمعي، وكيف تستمر الأساطير في التأثير على أنماط التفكير الحديثة.
تتميّز مقاربته بتحرير الأسطورة من القراءة التبسيطية، وإعادة
إدراجها ضمن سياقها الاجتماعي والتاريخي، بوصفها لغة رمزية للمعرفة الأولى.
الدين بدأ خوفاً غامضاُ ثم صار قصة، ثم تحول إلى حقيقة مقدسة لا
يسمح بسؤالها..
الإنسان لم يعبد الإله أولاُ، بل عبد الطبيعة، ثم رموزها، ثم شخصها
في صورة إله..
من الطوطم إلى الإله، ومن السحر إلى الصلاة، قطع الدين رحلة
طويلة من الخيال إلى التنظيم.
الطقس سبق العقيدة، والممارسة سبقت الإيمان ثم جاءت الفكرة لتبرر
ما كان يمارس.
والدين في بداياته كان تفسيراً للعالم، ثم أصبح نظاما أخلاقيا،
ثم تحول إلى مؤسسة وسلطة.. هكذا تطور الدين والإله مع تطور الوعي الإنساني.
فراس السواح
العقل البشري لم يولد عقلاُ علميا بل عقل اسطوري والعلم جاء
متأخرا جداً في تاريخ الإنسان..
التصديق هو الحالة الإفتراضية للعقل وليس الشك..
الإنسان لا يصدق الأسطورة لإنها صحيحة، بل لإنها تمنحه معنى،
والمعنى أسبق من الحقيقة في تاريخ الوعي، العقل يبحث عن الطمأنينة قبل الدقة أو
الحقيقة..
الاسطورة أكثر إقناعا من الواقع..
لأنها تخاطب العاطفة لا العقل..
الدين والتدين مرحلة طبيعية من تطور الوعي الإنساني..
د. خزعل الماجدي
من الأسطورة إلى الأيديولوجيا
تُظهر المقاربة السوسيولوجية أن كثيرًا من الأيديولوجيات
الحديثة ليست سوى تحويرات عقلانية لأساطير قديمة. ففكرة
“الخلاص”، و“العدو المطلق”، و“الأرض الموعودة”، و“النهاية الحتمية”، تعيد إنتاج
نماذج أسطورية بصيغ سياسية أو قومية أو دينية معاصرة.
ومن هنا، فإن فهم الأسطورة وتاريخ الأديان يُعد مدخلًا أساسيًا
لتحليل:
- آليات التعبئة الجماهيرية.
- شرعنة العنف الرمزي والمادي.
- توظيف المقدس في الصراعات
السياسية.
- صناعة السرديات الكبرى التي
تتحكم في الوعي العام.
يقول المفكر فراس السواح، تشابه الأديان والأساطير لا يدل على
مؤامرة ولا على سرقة متعمدة، بل يكشف عن حقيقة أعمق: الإنسان واحد، والعقل البشري
واحد وأسئلته الوجودية ومخاوفه الكبرى متشابهة في كل زمان ومكان، لهذا يعيد العقل
الإنساني انتاج النماذج السردية نفسها عبر العصور..
الدين اليهودي هو أصل الأديان السماوية تشكل داخل بيئة كنعانية
ورافدينية مشبعة بالأساطير، كثير من قصص التوراة لها جذور أقدم في حضارات سومر
وبابل وأشور.. الإله التوراتي في بداياته لم يكن إلها مطلقاً، بل إله قبيلة.. الدين
نتاج تاريخي تطوري، بدأ بالأسطورة، ثم تحول إلى لاهوت ثم إلى عقيدة مغلقة..
فيما يوضح د. خزعل الماجدي في التراث الفينيقي واليوناني تروى
حكاية البطل هيراكليس (هرقل) حين ابتلعه وحش بحري ضخم ارسلتع الآلهة لمعاقبة مدينته،
يدخل جوف الكائن، يبقى حياً داخله ثم يشق بطنه أو يخرج منه بعد عدة أيام، فيخرج
كمن عاد من عالم الموت وفي بعض الروايات الشرق الأدنى، فكرة الإبتلاع والخروج مرتبطة
بالعبور الرمزي إلى العالم السفلي ثم الرجوع وهو نموذج اسطوري معروف اسمه عند
دارسي الميثولوجيا "الموت والبعث داخل الجوف"..
أهمية هذه العلوم في مواجهة أزمات العصر
في ظل تصاعد التطرف، والاستقطاب الهوياتي، وسوء استخدام الدين
في المجال العام، تكتسب علوم الأديان والأساطير أهمية مضاعفة بوصفها أدوات نقدية
تساعد على:
- تفكيك الخطاب الديني المؤدلج.
- فهم العلاقة بين المعرفة
والسلطة.
- إعادة قراءة التاريخ بعيدًا
عن التقديس أو الشيطنة.
- بناء وعي اجتماعي قادر على
التمييز بين الإيمان بوصفه تجربة فردية، والدين بوصفه مؤسسة اجتماعية.
نحو وعي سوسيولوجي نقدي
إن إدماج علوم الأديان والأساطير في الحقل المعرفي المعاصر، ضمن
منظور سوسيولوجي، يسهم في إنتاج وعي نقدي قادر على:
- مساءلة المسلّمات الفكرية.
- تفكيك العلاقة بين المقدس
والسلطة.
- فهم ديناميات الصراع
الاجتماعي والثقافي.
- تعزيز الحوار بين الجماعات
عبر كشف الجذور المشتركة للمعنى الإنساني.
إن تفسير الدين اجتماعيًا لا ينفي التجربة الروحية الفردية، وإن
تحليل الأسطورة لا يعني نفي قيمتها الوجودية أو الرمزية..
ففي عالم تتشابك فيه المعرفة بالهيمنة، ويُعاد فيه إنتاج
الأسطورة بلباس حديث، تصبح سوسيولوجيا الأديان والأساطير أداةً لفهم الواقع،
وممارسةً معرفية تحرّرية تفتح أفقًا أوسع للوعي والعيش المشترك.


Comments
Post a Comment